مداخلة النائب إسماعيل بولحية بمناسبة
مناقشة بيان الحكومة لتقديم ميزانية الدولة لسنة 2007
يوم 25 نوفمبر 2006
بسم الله الرحمان الرحيم
سيدي الرئيس
السيد الوزير الأول و السيدات و السادة أعضاء الحكومة المحترمين
حضرات الزميلات و الزملاء
استمعنا باهتمام إلى بيان الحكومة الذي قدمه السيد محمد الغنوشي الوزير الأول و سجلنا ما جاء في التقرير بشأن الميزان الاقتصادي وتقرير مشروع ميزانية الدولة للسنة القادمة 2007 و هي سنة الشروع في المخطط الحادي عشر الذي سوف يعرض على مجلسنا الموقّر ليصبح قانونا يلزم الجميع في نطاق الوثيقة التوجيهية للعشرية 2007-2016 التي ركزت على الترفيع في مساهمة القطاع الخاص في التنمية باعتباره المحرك الأساسي لعملية النمو قصد الوصول إلى نسبة نمو بـ6.5 ./. و لما لا نسبة 7 ./. إذا صح منا العزم و تكون هديتنا لتونس في الاحتفال بالذكرى العشرين لتحول 7 نوفمبر 1987 السنة القادمة و هي نسبة من المنتظر أن تسجلها هذه السنة 12 دولة افريقية بينما معدل نسبة النمو الاقتصادي بإفريقيا السنة الحالية هو 5.5 ./. حسب تقرير منظمة LEAD لإفريقيا الفرنكوفونية الذي نشرته الصحف يوم 18 نوفمبر الجاري
فموضوع التنمية أصبح هاجس يومي تعقد من أجله المجالس الوزارية وكذلك أصبح محورا قارا للمجالس الجهوية حيث يمكننا القول أنه إذا كان هناك موضوعا محل وفاق وطني بلا منازع فهو اهتمام المجموعة الوطنية أي كلنا من مختلف مواقعنا بالتنمية والانخراط في مسار الحداثة و مجتمع المعرفة و الإسهام في مزيد الرقي ببلادنا إلى مصاف الدول المتطورة و إشعاع تونس على الساحة الدولية
هذه الميزانية سيدي الرئيس، هي الثانية في تاريخ تونس تعرض على غرفتين بعد بعث مجلس المستشارين الذي جاء من حيث المبدأ ليعزّز المشاركة الشعبية و التعددية بعد أن حدد الرئيس زين العابدين بن علي في افتتاح أول مجلس نيابي تعدّدي يوم 9 أفريل 1994 دور مجلس النواب حيث قال: " إن من الوفاء للشهداء الأبرار و الزعماء المجاهدين أن نكون جميعا في مستوى المسؤولية الوطنية و في مستوى ثقة الشعب بوضع مصلحته فوق كل اعتبار و السعي الدائم في تحقيق مطامحه و تطلعاته في كنف العدل و الكرامة و التضامن و الاستقرار و أنّ من أوّل شروط تحقيق هذه الغايات التعاون بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و حسن التعامل بينهما للاتفاق على سن الصيغ القانونية استجابة لحاجيات المجتمع إلى التطور و النمو و التقدم و رفعا لما يواجهه من تحديات في كنف الاستقرار والتوازن و التضامن " و أضاف سيادته : " بوصفكم نوابا أصبحتم مشاركين في أعباء الحكم و هو ما يقتضي منكم التحلي بكل ما يلزم من تجرد و أمانة في ممارستكم لمسؤولياتكم النيابية كما أنّ المصلحة العليا للوطن و واجب خدمتها دون سواها يقتضيان ألاّ تطغى عليكم صفتكم الحزبية "
من هذا المنطلق سنحاول طرح قراءتنا لواقعنا و ما نطمح إليه بإبداء بعض الملاحظات مشفوعة بمقترحات لأن الميزانية تستدعي في نظرنا قراءة متأنية لأنها ليست مجرد أرقام و جداول خاصة بعد أن رفعنا مبدأ الميزانية حسب الأهداف بل هي الآلية مع الإرادة السياسية لتجسيم الخيارات و انجاز الأهداف الوطنية لمزيد التقدم و الرقي لشعبنا. وإنّ حصر مناقشة الميزانية في أيام معدودات يصعب على المرء مهما أوتي من حنكة و دراية استيعاب ومتابعة الكم الهائل المتهاطل في مرطون من المداولات و التقارير التي أجزم أن لا أحد منّا استوفى دراستها و أن حالة الإرهاق جعلت الحضور للاستماع إلى أعضاء الحكومة في لجنة هامة ( اللجنة الأولى ) في آخر أيام المرطون يوم 18 نوفمبر 2006 بالتحديد لا يتجاوز7 على 15 من الأعضاء القارين للجنة وسط حضور مايزيد عن 50 نفرا من إطارات الوزارة ناهيك عن عدم إمكانية تلبية الدعوات التي توجهها اللجان لحضور جلسات الاستماع وهي هامة ومفيدة. فهل أرضينا ضمائرنا في ممارسة مسؤولياتنا النيابية كما حددها لنا الرئيس زين العابدين بن على ؟ و لماذا تبقى أشغال اللجان سرية؟ و نحن نطالب بتمكين الصحافيين من حضور اجتماعات اللجان لإطلاع الرأي العام على ما يجري فيها من مناقشات أعمق بكثير من الجلسات العامة العلنية و توفير الوسائل العصرية من حواسيب و أنترنات للصحافيين أصحاب الحواسيب الخاصة لتمكينهم من أداء مهامهم على أحسن وجه
إن الواجب يقتضي الاعتراف بأن مؤسساتنا يمكن أن يكون لها مردودا أفضل وهو ما يستوجب إعادة النظر في التعامل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لتعزيز التعاون بينهما للاتفاق على سنّ أفضل الصيغ القانونية استجابة لحاجيات المجتمع إلى التطور والتقدم وأقترح تنظيم إضافة إلى جلسات الحوار القطاعية مع أعضاء الحكومة وهي إضافة إيجابية سجلناها بارتياح إضافة جلسات في اللجان لتعميق التفكير في القضايا التي طرحت خلال جلسات الاستماع بمناسبة الميزانية والتي لم يقع الجواب عليها أو التي قد تطرأ اعتبارا إلى نسق سرعة التحولات زيادة على ضرورة تفعيل دور مجلس النواب بتطوير قانونه الداخلي وبعث لجان جديدة فرعية مختصة لمعاضدة مجهود الدولة مثل لجنة برلمانية تعنى بالبحث العلمي والتنمية ولجنة تعنى بحقوق الإنسان والحريات تماشيا مع مصلحة تونس في نطاق الانفتاح على الخارج و تموقعها في حوض البحر الأبيض المتوسط بعد أن كنا سباقين سنة 1995إلى إبرام معاهدة شراكة مع الإتحاد الأوروبي وهذا يدخل في باب التأهيل الشامل لمكونات نسيجنا المؤسساتي لأننا على أبواب نقلة نوعية يتولى فيها القطاع الخاص الدور الريادي في التنمية بمضاعفة الاستثمارات الداخلية والخارجية والقدرة على الارتفاع بالإنتاجية بعد أن كان دور القطاع الخاص دورا تكميليا وهذا الخيار يضاهي في نظرنا النقلة النوعية التي عرفتها تونس في عهد المرحوم الهادي نويرة بقانون 1972 وهو خيار كان آن ذاك ضد التيار بينما اليوم الكل يقر بأن لا مفر من انتهاج التحرر الاقتصادي والاعتماد على المبادرة الخاصة والاندماج في مسار العولمة للاستفادة من إيجابياتها والتصدي لسلبياتها بآليات جديدة
سيدي الرئيس
اعتبارا لربح الوقت سأركز على ثلاثة محاور : يتعلق الأول بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والثاني بالجانب الحضاري والهوية والثالث بالظرف والمناخ السياسي
أولا الجانب الاقتصادي والاجتماعي
تعيش بلادنا هذه الأيام على وقع الاستعدادات لعقد المؤتمر المنظمة الشغيلة الإتحاد العام التونسي للشغل في أواسط (14-15-16) شهر ديسمبر القادم بعد أن تم يومي 21 و22 نوفمبر الجاري انعقاد المؤتمر الرابع عشر للإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي تناول بالدرس كما جاء على لسان رئيس الجمهورية في افتتاح أشغاله " قضايا التنمية الوطنية على مختلف المستويات تخطيطا وتنفيذا واستثمارا وتشغيلا وإنتاجا وتصديرا " وحضي القطاع الخاص بهذه المناسبة بسلة من القرارات والمبادرات الرئاسية عززت ما تم الإعلان عليه يوم 7 نوفمبر بمناسبة الذكرى التاسعة عشر للتحول من حوافز وتشجيعات ومازالت شاهية رجال الأعمال مفتوحة لمزيد الإصلاحات بشأن تحوير القوانين الجبائية ومرونة التشغيل وتطوير الإدارة وتحسين محيط الأعمال لتوفير ظروف منافسة مقارنة بمناخ الأعمال في الخارج والقضاء على ما يعتبرونه من تناقض بين القرار والتنفيذ لتحقيق التلاقي تدريجيا بين نضمنا والإتحاد الأوروبي حتى يمكن تركيز الخدمات المالية والطبية والسياحية وصناعة الذكاء
ونقترح في هذا الصدد على غرار مبدأ الميزانية حسب الأهداف لتصرف الدول وضع هدف للخدمات المصدرة بمقدار مليار دينار في السنة ضمن خطة إستراتيجية شاملة تعتمد مع تفعيل وتثمين مواردنا البشرية وعلى آليات عملية مثل بعث وكالة عقارية خاصة بقطاع الخدمات وفي مقدمتها الخدمات الصحية التي تمثل 10 % من الإنتاج العالمي وينتظر أن تصل حسب الدراسات المستقبلية إلى 20 % وتبلغ جملة المصاريف حاليا للخدمات الصحية 30 مليار في السنة وتستقطب تيلاندا وحدها قرابة مليوني عيادة طبية للأجانب سنويا ومثلها الهند التي تستقطب المرضى البريطانيين
وعلينا لتعويض النقص المرتقب في بعض القطاعات الصناعية التي لن تصمد أمام المنافسة وضع خطة متكاملة لتصدير الخدمات وتهيئة المرافق اللوجستية وتكوين الموارد البشرية وتوفير الاستثمارات بالاعتماد على الرأس مال الوطني والخارجي إضافة إلى تفعيل ما ينجز في قطاع الاتصالات وصناعة الذكاء ولنشرع من الآن في تسويق صورة تونس في الخارج كوجهة للخدمات الصحية مع وضع ضوابط صارمة ومراقبة جريئة للحفاظ على سمعة بلادن
إن السنة القادمة التي ينطلق معها المخطط الحادي عشر تستدعي تضافر كل الجهود لكسب الرهانات بنفس جديد ودم جديد بانتهاج ديناميكية تحرر المبادرات وتعدد المقاربات وتؤسس لعقد اجتماعي يحدد بوضوح قواعد اللعبة ودور الدولة التي تمارس السيادة باسم الشعب وهي فوق الأطراف ودور القطاع الخاص ودور الإتحاد العام التونسي للشغل ومكونات المجتمع المدني ونشر الحس الجبائي Civisme Fiscal حتى تبقى الدولة الضامن للأمن والاستقرار المبني على دفع التنمية والتوزيع العادل للثروة
ولا يفوتنا أن نسجل هنا تقلص نسبة الفقر حسب الأرقام الرسمية من 12،9% سنة 1980 إلى 4،2 % سنة 2000 وتشير مؤشرات توزيع الاتفاق حسب المنظمات الدولية بأن موقع تونس وسط بين البلدان بنسبة 0،4 وهي نسبة مقبولة إلا أننا ندعو إلى إعادة النظر في منهجية ضبط عتبة الفقر انطلاقا من السياسة الإنمائية والسياسة التوزيعية ونشر كل المعطيات حول توزيع الدخل وتوزيع الثروة والممتلكات
وإننا بقدر ما نثمن الجهود المبذولة من طرف إطاراتنا وكفاءاتنا لإعداد الوثائق بين أيدينا بمناسبة الميزانية نتطلع إلى مزيد من الشفافية والوضوح بشأن المؤشرات والمقارنات الإيجابية والسلبية مثل تقرير التنمية البشرية وتقرير الشفافية وتقرير البنك العالمي 2006 بعنوان (الإنصاف والتنمية) وكذلك على المستوى المحلي نتائج الدراسات وتقلبات السوق وأحداث المؤسسات وعدد الباتيندات والإفلاسات خلال السنة وواقع التشغيل حسب الجهات والقطاعات والاختصاصات لإعطاء صورة متكاملة عن الظرف الاقتصادي يساعد المستثمرين ورجال الأعمال والمتعاملين مع البورصة التي فتحت للرأس المال الخارجي والمؤهلة لتلعب دورا متناميا مع تحرير المعاملات المالية وتحرير قطاع الخدمات في سنة 2008
وبشأن مناخ الأعمال نتساءل لماذا لا يقع توزيع الاستبيان السنوي لمعرفة الصعوبات التي تتعرض لها المؤسسات على كل الهياكل لتدارك السلبيات كل فيما يخصه خاصة وأن الهيئات والمؤسسات الدولية ومنها منتدى دافوس قد بوأت تونس مرتبة مشرفة في المؤشرات التنافسية كما نتساءل أمام ارتفاع أسعار الطاقة ماهي السياسة السعرية للطاقة وماهو دور المجلس الأعلى للطاقة ولماذا لا يصبح المرصد الوطني للطاقة مركزا للاستشراف والإحصائيات والدراسات في انتظار دخول تونس إنتاج الطاقة النووية ؟
وعملا بما عرفت به بلادنا من إستيباق الأحداث مثل إقدامها سنة 1995 على إبرام عقد شراكة مع الإتحاد الأوروبي علينا أن نستعد من الآن لنلعب ورقة ما يعرف بعد بــ"شين ديا" أي الصين والهند كخيار إستراتيجي للأجيال المقبلة وجعل بلادنا همزة وصل بين أوروبا والشرق في انتظار قيام سوق مشتركة لإتحاد المغرب العربي لتكون تونس بحق مركزا دوليا للتجارة والخدمات في حوض البحر الأبيض المتوسط كما كانت قرطاج تلعب هذا الدور في العهد الفينيقي ويتواصل على يد الجيل الجديد ربط الماضي بالحاضر
سيدي الرئيس
المحور الثاني يتعلق بالجانب الحضاري والهوية
إن سنة 2007 هي سنة محورية للتنمية بدخول المخطط الحادي عشر حيز التنفيذ وهي كذلك لحظة تاريخية نستحضر فيها القيم الحضارية بمناسبة 50 سنة على إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 هذه القيم التي تحدد علاقة الفرد بالمجموعة إلا أن مواطن 2006 ليس هو مواطن 1957 الذي خرج توا من الاستعمار والذي لا يفرق بين مواطن ووطني وكان متشبعا بالاعتزاز المبني على الإحساس بالاشتراك مع شخصية جماعية في اللغة والدين والوطن تحررت من الاستعمار الأجنبي ولها قوة رد الفعل تعتلي بها عن المصالح الذاتية والأنانية وكل مدين للمجموعة ويخطئ من يضن أن المجموعة مدينة له حيث يختلط فيها الأنا بنحن وينظر الكل في اللحظات الحاسمة نحو نفس الأفق يحدوهم نفس الأمل والحلم لتحقيق المشروع المجتمعي المبني عن الاختيار لا الفرض فيه نخوة الانصهار في النسيج الجمهوري الذي هو ليس مجرد عقد بل وجدان مشترك émotion partagée هو الإسمنت هو الخميرة التونسية « Tunisianité » هذا الوجدان من المفروض أن يغرس في نفوس الناشئة انطلاقا من المدرسة في عصر التفتح على العالم والتخلص من عقدة ضحايا الاستعمار ليكون محركا للفعل لا لرد الفعل حفاظا على الجمهورية وقيمها
وجمهورية الغد هي جمهورية الطموح كما حددها الرئيس زين العابدين بن علي » طموح كل التونسيين والتونسيات جمهورية السيادة للشعب والرفعة للوطن قوية بالمؤسسات المشاركة قيمها للجميع لكل من يخدم تونس بصدق وإخلاص ولكل من يعمل من أجلها ويضحي في سبيل عزتها دون إقصاء أو تمييز «
إننا في حاجة إلى تجذير قيم الجمهورية انطلاقا من المدرسة وغرس الحس المدني وروح المواطنة للعيش معا واحترام القانون وقواعد الحياة المدنية والطوق إلى الإسهام في الحضارة الكونية والانصهار في مجتمع المعرفة والمعلومات سمة القرن الجدي
ولمجابهة تحديات العولمة والمنافسة ينبغي مع غرس الروح الوطنية غرس حب العمل والإتقان والاعتماد على الذات كما هو الشأن في اليابان لأنه لا بد من الإقرار بأن ممارسات العمل في أوطاننا تتسم بالفتور والتراخي وأن مراتب الإتقان لا تخرج من الوتائر الضعيفة وما زلنا لا نملك عبقرية الجهد في ما نأتيه من أعمال ولا تحركنا حوافز فورية للإخلاص في أداءها ولا نصون سلوكنا من الاستخفاف بالوقت وتبذير سعاته إن أكبر تحديات المعاصرة في ما نرومه من بناء حضاري يقتضينا أن نؤسس للجهد في أنفسنا منزلة خاصة وأن نجعل من إتقان العمل فريضة علينا اتجاه أنفسنا وفي حق وطننا ذلك هو ركن البناء ووسيلته الفذة وبالعمل قبل المال وقبل الوسائل التكنولوجية يستطيع مجتمعنا أن ينمي الثروة وأن يدخل المعاصرة ومجتمع المعرفة من بابها العريض باب الاجتهاد والتزام والمبادرة
إن التربة التونسية تزخر ماضيا وحاضرا بروح الإبداع والعبقرية وهي كما أكده الرئيس بن علي في الندوة الدولية الثامنة عشرة للتجمع الدستوري الديمقراطي يوم 3 نوفمبر الجاري تحرص على جعل الحوار والتفاهم والتعامل بالحكمة والعقلانية أركانا لمشروعنا الحضاري حتى تبقى تونس على الدوام منارة بين الأمم وجسرا في خدمة السلم والاستقرار والنماء والتضامن بين الدول والشعوب وجميعنا في حاجة إلى تربية ناشئتنا على فضيلة الحوار
تلك هي رسالة تونس العهد الجديد كما نفهمها بلد الحوار والتسامح والوسطية بعيدا عن التشنج والحملات التي تلهينا عن مشاغلنا وأهدافنا الوطنية. أقول هذا بعد أن كثر الجدل في الآونة الأخيرة حول ظاهرة الحجاب باعتباره لباس مغاير للأزياء التقليدية التي عرفتها النساء التونسيات منذ القدم وفي اعتقادنا أن الظاهرة تحتاج إلى توقف ودراسة نظرا لارتباطها بالتطورات التي شهدها العالم خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هذه الأحداث الإرهابية التي واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية بردة فعل غير موزونة باحتلالها أفغانستان والعراق وهو ما خلق أجواء مشحونة اختلط فيها التصدي المشروع للإرهاب بتكثيف الهجوم على المنطقة ومخزونها الرمزي مما يكاد يؤدي إلى نوع من أنواع المواجهة والصدام بين الحضارات. في هذه الأجواء لم تتوفر للعديد من شبابنا الإيجابة العلمية والمتوازنة عن تساؤلاتهم الحائرة المتعلقة بالهوية والانتماء الإسلامي الأصيل لأن تواضع الإعلام الديني في بلادنا من أهم الأسباب التي جعلت الوعي الاجتماعي بالدين هزيلا وفقيرا مما جعل قطاعا عريضا من بناتنا وأبناءنا يدمنون على مشاهدة عديد القنوات الفضائية التي تقدم قراءة نعتبرها سلبية لديننا الحنيف وعليه فإننا ندعو قصد المعالجة السليمة لظاهرة الإقبال على الحجاب إلى تشكيل لجنة وطنية تتكون من باحثين وإعلاميين وسياسيين لمحاولة التعمق في فهم الظاهرة وأسبابها ووضع مقترحات عملية وموضوعية لمواجهتها وتحصين شبابنا بمناعة دينية خاصة وأن الظاهرة تبدو ظرفية ومرتبطة بعوامل متشابكة منها ماهو داخلي والآخر خارجي ومنها ماهو سياسي وثقافي واجتماعي وقد سبق لسيادة الرئيس أن وضع الأمور في نصابها بعد أن كان شكل من قبل لجنة شبيهة باللجنة التي نقترحها وذلك لفهم ظاهرة أخرى اجتماعية لا تقل خطورة وأقصد بها ظاهرة "الحرقان" التي لا يزال الكثير من شبابنا يذهب ضحية لها بحثا عن جنة وهمية
وما دمنا نتحدث عن الهوية فإننا نناشد السلط باحترام البند الأول من الدستور فيما يتعلق باللغة العربية التي هي جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والتي لم يتخلى رئيس الجمهورية عن استعمالها في خطبه الرسمية في حله وترحاله تشبثا بالهوية الوطنية بينما نراها مع الأسف تهان على مرأى ومسمع من السلط البلدية عند وضع اللافتات على المحلات التجارية بالإنقليزية والفرنسية على حساب العربية بينما القانون صريح وواضح وينص على أن تكون دائما العربية تعلوا اللغة الأجنبية وحروفها بارزة فهل من استفاقة لاحترام القانون والهوية الوطنية ونحن نستعد لإحياء الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية ؟
سيدي الرئيس
المحور الثالث والأخير يتعلق بالظرف والمناخ السياسي
يتميز الظرف الذي تنعقد فيه هذه الجلسات لمناقشة ميزانية الدولة لسنة 2007 بزخامة الرسائل المتتالية المعبرة التي تظمنتها خطابات الرئيس زين العابدين بن علي يوم 3 نوفمبر و7 نوفمبر و21 نوفمبر في مناسبات هامة أكدت الحرص المتواصل على دفع مسار الإصلاح النابع من المشروع الحضاري للتحول وقد أضفى الخطاب الرئاسي بمناسبة الذكرى التاسعة عشر للتحول على الحياة السياسية أجواء من التفاؤل والحماس هي في أشد الحاجة إليهما وليس ذلك بالأمر المفاجئ بالنسبة لصانع التغيير الذي يعرف بحسن إصغائه لتطلعات التونسيين وإدراكه العميق لما يجري وما يقال كما أنه يعلم أن حركات الإصلاح مهما كان حجم المكاسب التي تنجزها فإنها في حاجة إلى عمليات دفع متواصلة حتى تبقى المبادئ حية وحتى يقع التصدي بكل حزم لكل من يحاول أن يفرغ التغيير من محتوياته الإصلاحية وأبعاده الحضارية ولذلك كنا كما ساندنا مشروع السابع من نوفمبر منذ صبيحة أول يوم كنا ندعو دائما إلى تعزيز الإصلاح بإفشاء روح المصالحة ومزيد تنقية المناخ السياسي وتوسيع دائرة الحريات لمراكنة المكاسب
وسجلنا بارتياح حرص سيادة الرئيس على مزيد تعزيز آليات حقوق الإنسان وتأكيده على أن خيار التعددية خيار لا رجعة فيه وأن الأحزاب السياسية في الحكم وفي المعارضة هي أطراف في المعادلة الديمقراطية والتنافس النزيه ولا بد لها أن تكون في مستوى من الفاعلية يخول لها الاضطلاع بأدوارها على أفضل الوجوه ودعوتها إلى تعميق التأمل في حاضرنا وتوجهات مستقبل بلادنا في إطار مبادئ الدستور وقيم الجمهورية
وتجاوبا مع هذه الدعوة فإننا ندعو إلى تنظيم ندوة وطنية لتفعيل خطاب الرئيس بن علي تحضرها الأحزاب السياسية والمنظمات ومكونات المجتمع المدني والعمل على إيجاد فضاء تلتقي فيه الأحزاب للتشاور حول القضايا الوطنية ودفع مسيرة الإصلاح بالاعتماد على الذات ورفض الوصاية والتدخل الأجنبي والمس من ثوابتنا الوطنية وتحصين البلاد بجهة يتعايش فيها كل التونسيين في جو من الانسجام والتضامن حتى تبقى تونس فوق كل اعتبار منيعة ورائدة في محيطها
وإن الحرص على التعددية وتشريك الأحزاب السياسية نستشفه من مواقف ومبادرات الرئيس بن علي في لمسات رمزية متتالية مثل قراره السنة الماضية تعيين سفراء من أحزاب المعارضة وذلك على المستوى الخارجي وكذلك قراره هذه السنة دعوة رموز المعارضة لاختتام ندوة الولاة الأخيرة وفي ذلك أبعاد رمزية نتمنى أن يتم التعامل في الجهات على نفس الوتيرة والأريحية التي نلمسها في قصر قرطاج والمؤسسة الرئاسية
و إن تحقيق أهداف التنمية في المرحلة القادمة يتطلب نسقا أسرع وتعبئة أشمل ومناخ سليم يخدم صورة تونس و إشعاعها في الخارج خاصة بعد تداعيات انتخابات 7 نوفمبر و جو الهستيريا الذي أصاب الجمهوريين في واشنطن و الذي قد يحدث في فرنسا في ماي القادم بمناسبة الانتخابات الرئاسية و التطورات السلبية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط . كل هذه المعطيات تتطلب تحركا للدبلوماسية التونسية اعتمادا على المدرسة الواقعية التي تستند إلى القاعدة القائلة "لا أعداء دائمين و لا تحالفات دائمة هناك مصالح دائمة" وذلك في اتجاه أوروبا و الخليج والصين لجلب الاستثمارات التي تتطلبها خططنا التنموية و تشغيل شبابنا أصحاب الشهادات العلي
إنّ تونس لقادرة على الأفضل لتوفر الإرادة السياسية و الموارد البشرية و الوفاق الوطني الذي ننعم به و أكاد أجزم أن لا أحد في تونس الخضراء لا يعترف بما ساهمت به الإصلاحات الكبرى التي ميزت الخمسين سنة من الاستقلال في مجال الحكم و التعليم وتحرير المرأة و في مجال بناء اقتصاد متنوع و في تحسين حياة ملايين من الناس و زرع الأمل فيهم و إعطاءهم فرصا حقيقية لعيش كريم و للتقدم و النجاح و أنه يجب أن ينطلق دفع حقيقي لمسار الإصلاح من توافق المعارضة والحزب الحاكم و السلطة على الثوابت التالية
- دولة قوية و مستقرّة
- سلطة مدنية تستند إلى الدستور و قيم الجمهورية
- مشروع تحديثي للمجتمع
و هي قواسم مشتركة بين جميع الأحزاب في البرلمان و خارجه
وقد برهنت التجارب المعاصرة أن قيمة الشعوب بنخبها وقدرتها على التجديد وتبقى ثقاة النخب السياسية و الثقافية والإعلامية هي المحكّ في ما تتبوأ أمة من الأمم من مكانة مرموقة بين الدول قبل العامل الجغرافي أو السكاني
و لا يفوتني أن أسجّل الحراك الذي عرفته أوساط متعددة تسعى إلى إيجاد مخرج للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان هذا المكسب الوطني الذي يجب المحافظة عليه و على استقلاليته ليضطلع بالدور الذي وجد من اجله بقطع النظر عن الملابسات التي أدت إلى وضعه الحالي وتجاوزا لمختلف القراءات و وجهات النظر المتباينة للأطراف المعنية فإنّ المصلحة الوطنية تدعو إلى تضافر جهود كل النوايا الخيّرة لجعل حدّ للمهاترات و طيّ هذه المرحلة لفتح صفحة جديدة تشرف تونس و كل الرابطيين
سيدي الرئيس
مع حلول الذكرى العشرين للتحول يكون هناك جيل قد اكتمل نموه ونمي في ظل العهد الجديد و يشكل هذا الأمر في حد ذاته مسؤولية مطروحة على عاتق الجميع ، جيل جديد يريد أن يحقق ذاته و أن تفتح له جميع الأبواب للمشاركة و التعبير، جيل لم يعد مستعد لقراءة صحف لا ترتقي لطموحاته أو تعالج مشاكله أو تخاطبه بلغة العصر، جيل العالم مفتوح أمامه و لا يريد أن تبقى بلاده متأخرة عن الدول المتقدة حضاريا في مجال من المجالات في زمن طغت فيه الفضائيات و أصبح الإعلام سمة العصر ويتطلع الجيل الجديد لأن نجعل من ذكرى إعلان الجمهورية في جويلية القادم و الذكرى العشرين للتحول محطة لتحقيق نقلة نوعية في فكرنا السياسي و في تخطيطنا الاستراتيجي و ما ذلك على تونس بعزيز
وشــــــكــــــــــــــرا