مداخلة السيد علية العلاني في اللجنة الوطنية للبحث العلمي و اقتصاد المعرفة المتعلق بتنظيم اعداد المخطط الحادي عشر للتنمية
(2007-2011)
تونس في 13 أفريل 2006
المقدمة
'ي عتبر إحداث وزارة البحث العلمي والتكنولوجيا وتنمية الكفاءات، وتخصيص نسبة 1 % من ميزانية الدولة للبحث العلمي ستتطور خلال المخطط الحادي عشر(11)، دليلا على أن تونس راهنت على الرأسمال البشري وإرتياد مجتمع المعرفة، هذا المج ت مع الذي يجعل من الإنسان فاعلا أساسيا إذ هو معين الإبداع الفكري والمعرفي والمادي. وقد مثّلت إستضافة تونس لقمة مجتمع المعلومات سنة 2005 تكريسا لانخراط بلادنا في مجتمع المعلومات ، كما أن تطوير البحث العلمي يكتسي أهمية متصاعدة لإدخال بلادنا في الاقتصاد اللامادي وهو مايستوجب جملة من الاستحقاقات
وللوصول إلى وضع ية أفضل في هذا المجال لابد من التعرض إلى ضرورة توفر بعض الشروط لتطوير إقتصاد المعرفة. وإلى تقييم موضوعي لواقع البحث العلمي ببلادنا بإيجابياته وسلبياته وتحديد جملة من المقترحات
:مجتمع المعرفة
يشكل مجتمع المعرفة نقلة نوعية إذ أنه يجعل من الإنسان فاعلا أساسيا بإعتباره مصدر الإبداع الفكري والمعرفي والمادي ولقد خطت بلادنا خطوات هامة في هذا المجال بعقد قمة مجتمع المعلومات سنة 2005 بتونس وهو توجه مستقبلي وضعه رئيس الدولة في طليعة برنامجه الرئاسي
ونود في هذا الإطار التأكيد على أن بنية مجتمع المعرفة كما حددته بعض البحوث تعتمد على الشبكية وا للا مركزية تاركة الهرمية والمركزية. فالذكاء فيه ذكاء جماعي والإبداع فيه إبداع متواصل، والإستثمار المادي وا للا مادي فيه مشترك
وقد جاء في الوثيقة التوجيهية للمخطط الحادي عشر تأكيد على ضرورة العمل على تأهيل الأعوان ا لإقتصاديين ودعم دور القطاع الخاص حتى يواكب التقدم المعرفي والتكنولوجي وهنا نشير إلى أن هذه المواكبة لا تنجح إلا في إطار سياسة متكاملة توفر المعلوم ة والإستشارة لعديد المؤسسات الإقتصادية وفي هذا المجال نشير على سبيل المثال - وفي نطاق التعاون مع الإتحاد الأوروبي (البرنامج الأورومتوسطي برنامج ميدا Meda ) - أن هناك إعتمادات مخصصة لجنوب المتوسط لم نستفد منها في تونس لغياب مشاريع بحث في الغرض
إن إقتصاد المعرفة يفترض كذلك - بالإضافة إلى الحوافز المالية والجبائية – التركيز على الأنشطة المعرفية ذات المحتوى المعرفي المرتفع . وهنا تتأكد مسألة تفعيل الأقطاب التكنولوجية القائمة وتحسين مردودية البعض منها
إن بلادنا المعروفة بقلة مواردها المادية، يتحتم علي ها الاستثمار بعمق في الاقتصاد الل ا مادي الذي يمثل خيار المستقبل. كما أن رهان تونس على تطوير بنية مجتمع المعرفة وتحديث مناهج البحث العلمي يستوجب مشاركة الجميع حكومة وأحزابا ومنظمات وجمعيات لإنجاح هذا التوجه الإستراتيجي لما يوفره من تنمية ورفاهة لكل أفراد المجتمع
صعوبات البحث العلمي في بلادنا ومقترحات لبعض الحلول
بخصوص البحث العلمي يمكن أن نتعرض في عجالة لصعوبات البحث العلمي في العلوم الصحيحة والتطبيقية وكذلك لصعوبات البحث العلمي في العلوم الإنسانية
البحث العلمي في العلوم الصحيحة والتطبيقية
نؤكد في البداية على أن تطوير إستراتيجية للعلوم والتقنيات خلال المخطط الحادي عشر يستوجب رؤية مستقبلية وإستشرافية ترتقي بالمنظومة التربوية والتعليمية وتدعّم المنظومة البحثية
وفي هذا الإطار نشير إلى ضرورة تجاوز بعض المعوقات التي تحد من فاعلية البحث العلمي في بلادنا ومن أبرزها
أولا : ضعف مكانة البحث العلمي في مناهجنا التربوية فالتلميذ الذي يقضي مراحل تعليمه الثلاث الأساسي والثانوي والجامعي ي جد أن منهج التلقين في تكوينه يغلب على منهج التعمق في البحث بما يجعل التوجه الإبداعي محدود
ثانيا : بنية تحتية أقل من المتوسط. فالمخابر والأجهزة الإعلامية والتقنية بمؤسساتنا التربوية والبحثية تشكو نقصا والموجود منها لايستغل أحيانا على الشكل الأمثل
ثالثا : ضعف الترابط بين المؤسسات الإقتصادية ومراكز البحث العلمي فكأن الجامعة تعمل على حدة والإقتصاد على حدة
رابعا : ضعف مساهمة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي، مع الإشارة أيضا إلى أن النسبة التي خصصتها الدولة للبحث العلمي تحتاج إلى ترفيع ولو بشكل تدريج ى خلال سنوات المخطط الحادي عشر
خامسا : غياب نظام خاص « Statut particulier » للباحثين، فالبحث العلمي في بلادنا يكاد يقتصر على صنف الأساتذة الباحثين « Enseignants chercheurs » وهو ما من شأنه أن يؤثر على مردودية البحث
البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية
يشكو البحث العلمي في العلوم الإنسانية صعوبات أكبر ذلك أن معظم المؤسسات البحثية في هذا الصنف لا تؤدي دورها على الوجه الأمثل (مثال سيراس إلخ..) كما أن غياب نظام خاص بالباحثين
« Statut du chercheur »
زاد الأمر تعقيدا. ولإبراز أهمية العلوم الإنسانية نجد في أوروبا مثلا أن المؤسسات الاقتصادية تكلف مكاتب دراسات لإعداد بحوث حول أفضل السبل في عملية التسويق وكيفية النفاذ إلى ذوق المستهلك وترغيبه في اقتناء منتوجاتها وهذه المكاتب تشغل – بالإضافة إلىخبراء اقتصاديين- مختصين في العلوم الإنسا نية والاجتماعية
إن الصعوبات التي يشكو منها قطاع البحث العلمي في العلوم الإنسانية عديدة لعل أبرزها يتمثل في
أولا : ضعف الإعتمادات المرصودة في مجال البحث رغم تطورها في السنوات الأخيرة سواء في وحدات البحث التابعة لوزارة التعليم العالي أو مخابر البحث التابعة لوزارة البحث العلمي
ثانيا : عدم وضوح للقانون المنظم للباحثين « Statut des chercheurs »
ثالثا :البيرقراطية التي تعطل سير البحث العلمي والتصرف في الاعتمادات ، من ذلك مثلا تأخر الإذن بصرف الإعتمادات المخصصة للبحث
رابعا : صعوبات إدارية في إنجاز بعض البحوث الميدانية ففي بعض الإختصاصات بالعلوم الإنسانية سواء في الإجتماعيات أو الأنتروبولوجيا يستوجب البحث دراسات ميدانية تعتمد على الإتصال المباشر بالسكان وعلى طريقة الإستجواب. وفي بعض الأحيان يصعب إنجاز هذه البحوث لوجود بعض التعطيلات الإدارية. ونشير في هذا المجال أن العمل الميداني يستوجب وسائل وتجهيزات( سيارات وتجهيزات إدارية وإعلامية )وهي قليلة جدا بالمؤسسات الجامعية ذات الصبغة الإنسانية والإجتماعية
خامسا : قلة وضعف الحوافز للناشطين في مخابر البحث
ج- مقترحات لبعض الحلول في مجال البحث العلمي
لقد بات من الضروري البحث في خطة وطنية للنهوض بالبحث العلمي تهدف إلى السعي إلى الإرتقاء النوعي بمنظومة التعليم العالي وإلى القيام ببحوث جيدة ودقيقة إعتمادا على أفضل المقاييس الدولية ولتحقيق هذا الغرض نؤكد على
توسيع أكبر لهامش حرية البحث والإبداع ، فالبحث العلمي هو تفتيق للطاقات ، والبيروقراطية تعطل حرية الإبداع
التأكيد على عدم تسييس البحث العلمي من أجل ضمان مصداقيته وفاعليته وإشعاعه، وإعطاء صلاحيات أكبر للمجالس العلمية
ضرورة تفعيل الأقطاب التكنولوجية وتحسين مردود البعض منها ممن يشكو بعض الصعوبات
تطوير المنظومة التربوية من خلال إدماج عقلية البحث العلمي في المناهج التربوية من التعليم الأساسي إلى التعليم العالي
السعي إلى إقامة دار للبحث maison de recherche في كل جامعة أو جامعتين(جامعات تونس، جامعة الوسط ، جامعة الجنوب إلخ) على غرار ما نجده بالعديد من البلدان المتقدمة
تطوير البنية التحتية من مخابر وتجهيزات إدارية وإعلامية. فوضعية البنية التحتية حاليا في هذا المجال دون المتوسط ولا تدفع لتحسين جذري لوضعية البحث العلمي ورغم تطور الإعتمادات المخصصة لمخابر البحث فإنها تحتاج إلى دعم أكبر للوصول إلى نتائج أفضل
مراجعة قانون الباحثين « Statut des chercheurs » في إطار ضبط صلاحيات ومهمة الباحثين وتخفيف العبء عن هيكل الأساتذة الباحثين الذين رغم جمعهم لمهمتي البحث والتدريس فإنهم الشريحة الأكثر مشاركة في ميدان البحث العلمي
تطوير حوافز مادية وجبائية لصالح البحث العلمي وتمكين الباحثين من ظروف أفضل في محيط العمل وفي المنح المالية المسندة إليهم حتى لا يضطروا إلى الهجرة أو إلى العمل بالمؤسسات الإقتصادية التي تقدم لهم أجورا مغرية فيضطرون إلى الإنقطاع عن مواصلة أبحاثهم المخبرية
الحد من البيروقراطية في صرف الإعتمادات المخصصة للبحث وذلك بالإذن بصرف الأموال المخصصة للبحث في أقصر وقت بالتوازي مع القيام برقابة إدارية ومالية لكل أوجه الصرف المتعلقة بالنشاط في وحدات البحث أو مخابر البحث
المطالبة بتمكين المبدعين في مجال البحث العلمي من رخصة بحث على غرار رخصة المبدع الثقافي التي أعلن عنها سيادة رئيس الجمهورية في خطاب ذكرى خمسينية الإستقلال
المطالبة بترفيع الدولة في النسبة المخصصة حاليا للبحث العلمي (1 % من الناتج القومي الخام) والوصول بها إلى 2 % في نهاية المخطط الحادي عشر. علما وأن نسبة البحث من الناتج القومي الخام في عديد البلدان الأوروبية والأسيوية تتراوح بين 6 و7 %
العمل على تشجيع إنتصاب مؤسسات البحث العلمي الخاصة سواء في مجال العلوم الصحيحة والتطبيقية أو في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية وهنا نشير إلى أن تطور البحث العلمي في البلدان المتقدمة يعود معظمه إلى مساهمة المؤسسات الخاصة للبحث، وهذا من شأنه أن يعاضد مجهود الدولة التي مازالت تتحمل العبء الأكبر في مجال الإنفاق على البحث العلمي
إرساء شراكة علمية مع العديد من مؤسسات البحث المغاربية والعربية والدولية
التصدي لهجرة الكفاءات مستقبلا ووضع خطة للإستفادة من الخبرات التونسية المهاجرة من خلال تكثيف الملتقيات والندوات العلمية أو من خلال تمكينهم من تأطير عديد البحوث العلمية
المراجعة الجذرية لطرق وآليات البحث في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية بما يتلاءم مع أحدث المقاييس الدولية
تعصير الشبكة الإعلامية الحالية بالإعتماد على شبكة حاسوبية للإعلام والإتصال عالية الدقة، فائقة السرعة، متميزة الخدمات تعرف بالجيل الجديد للأنترنات
وشكرا
تونس في13/04/2006 |
|
علية العلاني
أستاذ جامعي و عضو المكتب السياسي
لحركة الديمقراطيين الإشتراكيين |
|