كلمة السيد النائب اسماعيل بولحية بمناسبة مناقشة بيان الحكومة لتقديم ميزانية2006

جلسة يوم 26 نوفمبر 2005

 

 

 

بسم الله الرحمان الرحيم

سيدي الرئيس

السيد الوزير الأول و السيدات و السادة أعضاء الحكومة المحترمين

حضرات الزميلات و الزملاء

استمعنا باهتمام إلى بيان الحكومة الذي قدمه السيد محمد الغنوشي الوزير الأول و سجلنا كذلكما جاء في التقريرين بشأن الميزان الاقتصادي و مشروع ميزانية الدولة للسنة القادمة سنة 2006 و هي سنة تؤسس لمرحلة جديدة حاسمة بعد طي صفحة 50 سنة على استقلال تونس في 20 مارس 1956 و الشروع في المخطط الحادي عشر للتنمية و تقييم عشر سنوات من الشراكة مع أوروبا التي يصادف هذا اليوم انطلاق أشغال مسار برشلونة مع أشغالنا هنا و قد خرجنا لتوّنا من القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي احتضنتها تونس و بوأتنا مكانة جعلتنا نلعب في ساحة الكبار و مازال صدى بيان سيادة رئيس الجهورية في الذكرى الثامنة عشرة لتحول السابع من نوفمبر يرنّ في أذاننا و هو ما يتيح لنا اعتبار كل هذه العناصر علامات ذات أبعاد و دلالات تشكّل خلفيّة سياسية مثلى لقراءة متأنية لمشروع الميزانية المعروض علينا لأنّ الميزانية في نظرنا ليست مجرّد جداول و أرقام بل هي الآ لية

.مع الإرادة السياسية لتجسيم الخيارات و إنجاز الأهداف الوطنية لمزيد التقدّم و الرقيّ لشعبنا

من هذا المنطلق سنحاول طرح قراءتنا لواقعنا و ما نطمح إليه مع إبداء بعض الملاحظات مشفوعة بمقترحات لاعتقادنا بأنّ الإصلاح استشراف للمستقبل لا يكتفي بمواكبة التحوّلات بل يعدّ لما بعدها خاصة في مرحلة مليئة بالتحدّيات التي علينا الوعي بأبعادها و الاستعداد لرفعها اعتمادا على الذات بالجدّ و الكدّ و المحافظة على الانسجام و السلم الاجتماعي و الاستقرار المبني على التأييد الشعبي بعد أن توسعت في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة قاعدة هرم السلطة بتعدّد مظاهر المشاركة و التأييد في أغلبية رئاسية لأنّ ثقة الشعب في القيادة و ثقة الرئيس في شعبه هي العنصر الأساسي مع وضوح الرؤية و نجاعة الخيارات لبلوغ ما نصبو إليه لإرساء دعائم جمهورية الغد " جمهورية الطموح طموح كل التونسيين و التونسيات جمهورية السيادة للشعب و الرفعة للوطن قوية بالمؤسسات المشاركة فيها للجميع لكل من يخدم تونس بصدق و إخلاص و لكل من يعمل من اجلها و يضحي في سبيل عزّتها دون إقصاء و لا تمييز " كما حدّدها سيادة الرئيس و هو ما يؤهل بلادنا لتكون رائدة في محيطها بفضل حسن التصرّف في مواردنا البشرية الثرية بالكفاءات و ما تزخر به تربتنا ماضيا و حاضرا من روح إبداع وعبقريّة

,سيدي الرئيس

الملاحظة الأولى

هذه أول ميزانية في تاريخ تونس تعرض على غرفتين مجلس النواب ومجلس المستشارين الذي وجد ليعزز من حيث المبدأ المشاركة الشعبية إلا انّه والحق يقال يبدو وأنّ وجود الغرفة الثانية أضعف و قلّص دور النواب باختصار مناقشة الميزانية في أيام معدودات يصعب على المرء مهما أوتي من كفاءة و حنكة استيعاب و متابعة الكمّ الهائل المتهاطل في مراطون من المداولات و التقارير التي تشتمل على سبيل المثال ليوم الاثنين 28 نوفمبر الجاري إضافة إلى سؤال شفاهي للحكومة ميزانيات كلّ من رئاسة الجمهورية و مجلس النواب ومجلس المستشارين و الوزارة الأولى و وزارة الداخلية و التنمية المحلية ووزارة الشؤون الخارجية ووزارة الدفاع الوطني ووزارة الاتصال و العلاقات مع مجلس النواب ومجلس المستشارين أي ثمانية ميزانيات سيادة و "د ليل ك ملك"

على أني سيدي الرئيس لا استصغر ما يمكن أن يقدّمه مجلس المستشارين من إضافة غير انه لتحصين البرلمان لا بدّ من تمكينه من التحكم في أعماله وممارسة صلاحياته كاملة بإعادة النظر في اختصاصات الغرفتين بأحكام التعاون و التكامل قصد أثراء المنظومة التشريعية و الحياة السياسية بصفة عامّة و تمكين النواب في متسع من الوقت من الوثائق المرجعية مثل الميزان الاقتصادي و تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأنه و هو لم يصلنا إلى اليوم

سيدي الرئيس

اعتبارا للوقت المحدّد للمناقشة سأقتصر أوّلا على جملة من المعطيات تتعلق بالميدان الاقتصادي و أبادر بتسجيل ما كنّا عبّرنا عنه في اجتماع المجلس الأعلى للتنمية من تثمين النتائج الهامّة التي تحقّقت و التي علينا تعزيزها لتمكين بلادنا من بناء اقتصاد يضمن نموّا نرجو أن يكون في تصاعد لاكتساب المناعة والتفاعل الإيجابي مع التحولات الوطنية و الدولية و قد أعترف ممثّل البنك الدّولي بأنّ الاقتصاد التونسي هو الأكفأ في منطقة شمال إفريقيا و هو ما يحفزنا على رسم فرضيات نموّ طموحة تتجاوز نسبة 5% لتصل إلى 6 و 7 % علما و قد سبق لنا أن اعتمدنا فرضيات متفائلة لإحداث الشحنة المنعشة « effet d'annonce » وعلىّ الميزانية الجديدة أن تتدارك ما فات بعد أن استطاعت بلادنا السيطرة على انعكاسات ارتفاع أسعار النفط حسب البنك المركزي و ما نطالعه في صحافتنا في الوقت الذي تعاني بلدان العالم باستثناء الصين و أمريكا الآثار السلبية و منها أوروبا التي عرفت الركود و التضخّم بينما تراجعت عندنا نسبة التضخّم حسب بيان مركز الظرف الاقتصادي الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء لشهر أكتوبر 2005 و الذي يعكس مؤشرات صحّة الاقتصاد بصفة عامّة و إن كان لم يكشف عن معدّل البطالة للفترة المنقضية من السنة و بيّن أن نسبة التضخّم كانت في حدود 1،7 % مقابل 4.1 % من نفس المدّة للسنة الماضية ضاربا مثلا بشأن الأسعار بزيادة 4% نعم 4% فقط بالنسبة لزيت الزيتون صبّة « en vrac  » و هو ما لا يتلاءم بتاتا مع ما يعيشه المواطن في أي شبر من أنحاء الجمهورية فهل من تفسير لهذا السرّ الذي يجعلنا في منأى عن التطوّر السلبي للاقتصاد العالمي ؟ 

كما نتساءل كذلك بشأن الإحصائيات الخاصة بالتصدير و هي في الجملة في نسق تصاعدي و القطاع الخاص هو المصدّر فأين إذا الاستثمار ورصيد العملة في ازدياد و السيولة متوفّرة في البنوك و لماذا لا نستثمر هذه السيولة لتبلغ استثمارات القطاع الخاص 60% المقدّرة في المخطط و هل ارتفعت الإنتاجية لتغطي ضعف الاستثمار ؟

إنّ التخفيض في نسبة البطالة ب 3 نقاط يتطلّب نموّا اقتصاديّا حسب البنك الدولي بنسبة 6.5 % ممّا يعني مجهودا استثماريّا خاصة من قبل القطاع الخاص حيث تعتبر استثمارات القطاع الخاص التونسي منخفضة مقارنة بدول مشابهة و منافسة لتونس إذ تبلغ هذه الاستثمارات ما بين 12أو 14 % من الناتج المحلي الإجمالي و هي مطالبة لتحقيق نسبة نموّ تقدّر ب 50 % لتبلغ 18 أو 20 % من الناتج المحلي الإجمالي حتّى يتسنى للاقتصاد التونسي التخفيض من نسبة البطالة بـ 3 نقاط و لا بدّ من توفير مناخ استثمار سليم و شفّاف و وجود نظام قانوني موحّد و مرن يساعد على دفع الاستثمار و وجود نظام مصرفي سليم و قد شهد قطاع البنوك في تونس تطوّرا إلا انّه ما زال يشكو ارتفاع نسبة الديون المشكوك في استرجاعها و التي تبلغ حسب أخر الأرقام 23 % من قيمة القروض الممنوحة من قبل البنوك

على أن القضية ليست موارد مالية و الدليل على ذلك حصول البنك المركزي في جوان الماضي على قرض بمبلغ 640 مليون دينار بسهولة نظرا للمصداقية التي تتمتع بها تونس في أوروبا التي تتعامل معنا أحسن من تعاملها مع المكسيك مثلا التي هي كما هو معروف تحت جناح الولايات المتحدة الأمريكية ويعتبر القرض الأخير التاسع عشر (19) أربع (04) قروض بالأورو و إثني عشر (12) باليان من اليابان وثلاث (03) قروض بالدولار

فالمسألة ليست موارد مالية بقدر ما هي في تشخيص المشاريع المربحة وتوفير الكفاءات الفنية لإيجاد الإنتاج المعد للتصدير وعلينا نظرا لمحدودية السوق الداخلية عشر (10) ملايين مستهلك لا تكفي لربح المنافسة واقتحام السوق العالمية أن نتوجه حسب إستراتيجية محكمة إلى الشراكة وأن نقبل أن الشراكة فيها ربح للشريك بعيدا عن تفكير بعض الموظفين في اعتبار المستثمر تونسي أو أجنبي "يحلب تونس " لأننا نعيش مرحلة انتقال العلاقات من المساعدات الاقتصادية إلى الشراكة «L'aide économique est devenu partenariat» وعلينا أن نستغل التحولات في أوروبا بعد صدمة النسيج إثر انتهاء العمل بالاتفاقيات متعددة الألياف ودخول الصين والهند في اللعبة مما ينبئ بأن أوروبا مجبرة على المجيء إلى بلدان جنوب المتوسط لصنع أدوات منافسة للصين في السوق الأوروبية وفي العالم على غرار « Volswagen » التي تصنع مكونات "القولف" مثلا في إثني عشر (12) بلادا منها تونس حتى لا تكلف السيارة أكثر من اثنا عشر (12) أورو بينما لو صنعت كلها في ألمانيا لبلغت تكاليفها 32 ألف أورو حسب الدراسات المعلنة وهو ما يدعونا إلى حسن استغلال الظرف والمنافسة بين الغرب والصين والهند للتموقع في السوق العالمية ل ن كون في طليعة البلدان في جلب الشراكة كما كنا سباقين في إبرام عقد الشراكة مع أوروبا في 1995 مع توفير شروط الثقة والمناخ السياسي الملائم وجاءت مبادرة الرئيس زين العابدين بن علي في بيانه الأخير في ذكرى التحول بشأن إحداث لجنة عليا للمشاريع الكبرى تكون بوابة التعامل مع المستثمرين وجسرا متميزا لتيسير كافة الإجراءات بالسرعة والنجاعة اللاّزمتين جاءت في الوقت المناسب حتى تكون بلادنا مركزا عالميا للأعمال والخدمات وقاعدة نشيطة للحركة الاقتصادية الدولية

سيدي الرئيس

حبذا لو أن مبادرات سيادة الرئيس كلها تحضي بسرعة التنفيذ مثل قراره القاضي بتشجيع البناء العمودي وصدور القانون 78 لسنة 2003 المؤرخ في 29/12/2003 بتنقيح وإتمام مجلة التهيئة الترابية والتعمير والذي ينص في الفصل 12 منه على أن يتمّ اعتماد نمط بناء قوامه طابق أرضي وطابقان علويان كقاعدة عامة ومازالت البلديات حتى اليوم تتردد في اتخاذ الإجراءات الترتيبية في انتظار على ما يبدو قرار وزارتي الداخلية والتجهيز والإسكان وكذلك الشأن بالنسبة لمبادرة الرئيس منذ سنة بمنح المرأة الراغبة في العمل بنصف الوقت لأسباب عائلية ومازالت هذه المسألة في رفوف لجنة الدرس بالوظيفة العمومية فمتى تكون الإدارة مواكبة لنسق سرعة العصر وتتناغم الأرجل مع الرأس «La tête et les jambes »

سيدي الرئيس

الملاحظة الثانية تتعلق بالطاقة والبيئة

إن ارتفاع أسعار النفط لم يعد يفاجئ أحدا وقد وضعت كل الدول مخططات للاقتصاد في الطاقة تحميها من الانعكاسات السلبية على اقتصادها ويجمع الملاحظون على أن أسعار النفط سيتواصل ارتفاعها خاصة وأن الطلب شهد ومازال سيشهد نموا حادا من قبل بعض الدول النامية الكبرى على وجه الخصوص

ونعتقد أن السياسة المعتمدة عندنا لاستقطاب المستثمرين للتنقيب والبحث عن النفط غير مجدية حيث لا يتجاوز إبرام عقود النفط ثلاثة أو أربعة في السنة وهي نسبة ضعيفة

كما ندعو إلى إعادة النظر في سياسة تكرير النفط حيث أن منتوج المصفاة الحالية لم يعد يتماشى مع الهيكلة الجدية للطلب الداخلي ونتساءل عن مشروع بناء مصفاة لتكرير النفط بالسخيرة تكون لها قدرة إنتاج تبلغ 140 ألف برميل في اليوم والتي تقدر تكاليفها بنحو 1،3 مليار دولار والتي كانت ضمن المشاريع التي قدمها السيد الوزير الأول محمد الغنوشي للمسؤولين السياسيين وأصحاب الأعمال في القطاع الخاص في كل من عمان والإمارات العربية خلال زيارته الأخيرة إلى الخليج العربي لجلب الاستثمارات العربية ؟

وفي إطار البحث عن الطاقة البديلة للبترول نقترح العمل على دراسة استعمال الطاقة النووية بالنظر إلى محدودية التقنيات الحالية الخاصة بالطاقة الشمسية والهوائية والمعطيات المتوفرة لدينا تشير إلى أن كلفة محطة نووية للإنتاج الكهربائي من طراز حديث مثل « E.P.R. » على سبيل المثال والتي تصل طاقة إنتاجها من 1.500 إلى 1.600 ميقا واط في الساعة وهو ما يعادل الإنتاج الحالي للطاقة في بلادنا تقريبا يتراوح سعرها ما بين 4 و5 مليارات دينار تقريبا علما وأن العمر الافتراضي لمثل هذه المحطات هو في حدود 60 سنة

ورغم أن مصادر الطاقة النووية تثير الجدل في العالم فإن دراسة مدى ملائمة هذا الصنف من مصادر الطاقة يفرضها الواقع الجديد خاصة وأن الكفاءات التونسية المتخصصة في هذا المجال متوفرة ومنهم من يعمل في أكبر مراكز

الأبحاث في فرنسا

سيدي الرئيس

وفي نطاق اهتمامنا بشؤون البيئة والمحافظة على سلامة المحيط نسجل بارتياح اتفاقية الهبة الممنوحة لتونس التي أبرمت يوم21 نوفمبر الحالي بواشنطن بمبلغ 4 ملايين دولار من الصندوق الدولي للبيئة لمعالجة مخزون المبيدات التي تجاوزت مدة صلاحيتها أو وقع تحريم استعمالها مثل D.D.T

وبقدر ما نثمن الجهود المبذولة في ميدان المحافظة على المحيط نطالب بمراجعة القانون عـ92.72ــدد بتاريخ 3 أوت 1993 والأمر عــ2000 و3469ــدد بتاريخ 30 ديسمبر 2002 لملائمة التشريع التونسي مع الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد لتحافظ بلادنا مع جنوب إفريقيا في قارتنا السمراء على الريادة في ميدان البيئة

ونتساءل عن كيفية معالجة مخزون المبيدات التي تتواجد بحوالي 128 مكان بالجمهورية وتقدر حسب التقييم الأولي لسنة 2003 بحوالي 1085 طن بين مواد سائلة وصلبة والتي تستدعي معالجتها كليا مبلغ 5 ملايين و 185 ألف دولار وفي نطاق التنمية المستديمة والمحافظة على أديم الأرض والمائدة المائية نطالب بمضاعفة مجهود عقلنة استعمال المبيدات في الفلاحة كما نطالب بوضع علامات « étiquette » على الحاويات تعرف الفلاح بخطورة المبيدات وإيجاد دليل مبسط يوضح للفلاح الطريقة المثلى لاستعمال المبيدات في الفلاحة والحث على تفضيل الفلاحة البيولوجية لقيمتها المضافة خاصة للمنتوجات المعدة للتصدير وكذلك للحفاظ على صحة المواطن

سيدي الرئيس

ومن جهة أخرى وما دمنا نعيش على وقع انعقاد قمة المعلومات وتداعياتها ندعو إلى القيام بتقييم واسع للظرف والمظروف واستخلاص ما يجب استخلاصه ونقترح لإدماج بلادنا في مجتمع المعلومات وتقنيات الاتصال العمل على إرساء صناعة متطورة للحواسيب وما يتبعها من الكترونيات ونذكر في هذا الصدد بأن عدد أجهزة الكمبيوتر المزمع استيرادها تتجاوز قيمتها نصف مليون خلال المخطط الحالي وقد يتضاعف هذا العدد في المخطط الحادي عشر ومثله أو يزيد فيما بعد وهو ما يمثل حجم استيراد بملايين الدولارات وهذا الكم الهائل من الأموال يشجعنا على العمل قصد توطين هذه الصناعة والسعي تدريجيا بالرقي بها إلى مستوى الاندماج المحلي وهو من شأنه أن يوفر مواطن شغل لأصحاب الشهائد العليا ويقوي اقتصادنا إجمالي

سيدي الرئيس

الملاحظة الثالثة والأخيرة تتعلق بالظرف والمناخ السياسي

قلت في بداية مداخلتي أن انطلاق أشغالنا اليوم يتزامن مع انطلاق أشغال مسار برشلونة حيث تتعايش في برشلونة اجتهادات متباينة للتقييم في حوار بين شمال وجنوب المتوسط ورغم التصريحات المتفائلة حول حصيلة العشرية الماضية فإن ما تحقق مازال دون الطموحات المشروعة لشعوب الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط بالنسبة لمستوى الاستثمارات والمبادلات التجارية وحرية تنقل المسافرين حيث إزادادت الإجراءات الأمنية تعقيدا وتحول البحر الأبيض المتوسط من جسر للتواصل إلى ميدان تتسابق فيه البوارج لخفر السواحل لتضييق الخناق على من يوصفوهن بالمهاجرين غير الشرعيين

ولا شك أن من حق الدول الأوروبية حماية حدودها وأمنها والتصدي للهجرة السرية ولكن قد حان الوقت لمعالجة هذا الملف وغيره برؤية واقعية تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف لأن الشراكة في مفهومنا لا ينبغي أن تختزل في الميدان الأمني وأن تتحول دول الجنوب إلى طرف مسؤول عن حماية أوروبا المغلقة من المتسللين دون السعي إلى تأهيل اقتصاديات الجنوب وتطوير بنيته التحتية الأساسية للحد من الهوّة الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الإتحاد الأوروبي وجل دول جنوب المتوسط

سيدي الرئيس

أما على المستوى الداخلي فإن الاستعداد في مارس القادم لإحياء ذكرى مرور 50 سنة على الاستقلال يجب أن يكون لحظة تاريخية نتخلص فيها نهائيا من مركب "ضحايا الاستعمار" بعد أن حررنا الوطن لنحرر المواطن ونعتمد على أنفسنا بالتنظيم والعمل حتى نكون بحق أسيادا في وطننا ونعمل على إيجاد عقد جديد للتحديث والتقدم وأن نعود إلى "الخميرة" التي استعملت لنيل الاستقلال وهي التونسة والعيش معا بمشاركة كل التونسيين في مناخ من الحرية وقيم الجمهورية لنعانق الحلم من جديد ونستفز مجتمعنا لبلوغ أعلى المراتب بتغليب العقلانية ولغة الحوار على الدمغجة واللغة الخشبية ونشرع للمستقبل للخلق والإبداع

و نقترح بهذه المناسبة إحداث مركز للتقييم « Centre d'évaluation » إلى جانب معهد الدراسات الإستراتجية كآلية يعتمدها رئيس الدولة لمتابعة الأوضاع على المستوى الخارجي والداخلي مثل تقييم مرد ودية الإدارة و أداء المؤسسات المنتخبة و مرد ودية المؤسسة التربوية وتدني القيم والنزاهة الفكرية وهي قيمة في حدّ ذاتها عند أصحاب الشهائد العليا مثل الثقة والشهرة بالنسبة للتاجر " و الي سماك أغناك" كما يقال عندنا حتى نثمّن استثماراتنا منذ الاستقلال في الرأس المال البشري لارتياد المستقبل بأوفر حظوظ النجاح

سيدي الرئيس

لقد أنجزت بلادنا القمة العالمية لمجتمع المعلومات في ظروف تنظيمية شهد الجميع بنجاحها و حسن إدارتها كما حقّقت القمة على مستوى المضمون مكاسب غير هيّنة و انبثقت عنها حلول ستساعد على تجاوز بعض العقبات التي كانت تحول دون التوصّل إلى وفاق حول القضايا الخلافية الشائكة و أصبح اسم تونس مقترنا بإحدى سمات القرن الواحد و العشرين وهو مجتمع المعرفة و تقنيات الاتصال و هو ما يفرض علينا تحدّيات رغم من سعى بشتّى الوسائل التدخّل في شؤون بلادنا ليملي علينا وصايته و نحن نعتزّ بإعلان تنس الذي أكد انّه لا يمكن الحديث عن مجتمع المعلومات دون توفير حرية التعبير و تدفّق المعلومات و حرية التماس المعلومات و تلقيها واستعمالها لإحداث تراكم و نشر المعرفة على أن تتحلّى وسائل الإعلام في استعمال المعلومات بطريقة تنمّ عن الشعور بالمسؤولية وفقا لأعلى المعايير المهنية

وفي غمرة أجواء احتفالات السابع من نوفمبر و انعقاد قمة المعلومات بادر رئيس الدولة الذي هو رئيس كل التونسيين و يصغي بحسّه المرهف إلى ضمير الشعب بتكليف السيد زكريا بن مصطفى بمهمة الاستماع لوجهات نظر و مطالب الأحزاب و الجمعيات و هي خطوة ايجابية نباركها و إن كانت تتطلّب مزيدا من البلورة لتحديد الصلوحيات حتى لا تغرق في الجزئيات و تصبح هيكلا كحائط مبكى لا يسمن و لا يغني من جوع على انه لو كانت مثل هذه الآلية موجودة من قبل لما تراكمت بعض الملفات قبل أسابيع قليلة من انعقاد القمة لعدم إدراك البعض دقّة الظرف و حسن قراءة المعطيات الدولية لأنّ " العالم اليوم ليس عالم الأمس تحدياته مختلفة ورهاناته مستحدثة" و كما جاء على لسان وزير الخارجية السيد عبد الوهاب عبد الله في ندوة " دور الدولة في القرن الواحد و العشرين" التي نظمها التجمّع في الذكرى 18 للتحوّل " لقد اخترق الإعلام سيادة الدولة وكذلك المجتمع المدني أي المنظمات غير الحكومية و هو ما يستدعي تطوير مفهوم الدولة و هياكلها و مراجعة أدوارها و تفعيل علاقاتها بالمجتمع بكافّة مكوناته من اجل تنمية شاملة و متوازنة

سيدي الرئيس

إن تونس التي كانت سباقة في وضع أسس التحول الديمقراطي السلمي والهادي بفضل التحرك المبارك الذي قاده الرئيس زين العابدين بن علي و رحب به الجميع كما أصرت بلادنا في القمة العربية التي عقدت بتونس على إصدار وثيقة عن الإصلاح السياسي إن تونس يحق لها للمحافظة على الريادة أن نطمح في اتخاذ مزيد الخطوات في مجال ترسيخ الديمقراطية التعدّديّة و الحريات وحقوق الإنسان و تسوية ما تبقى من أوضاع الحريات و الحفاظ على الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان كرصيد وطني و تسوية وضعها المعلق بالتصريح بالحكم يوم 3 ديسمبر القادم حتى تقوم بدورها لصالح المواطن في كنف الحياد والاستقلالية وجعل مصلحة تونس فوق كل اعتبار

و لا يفوتني في هذه المناسبة أن أسجل بإيجاب تمكين وفد الصليب الأحمر الدولي من زيارة السجون التونسية و لعله حان الوقت لتمكين وفد برلماني منا بالقيام بنفس المهمة التي كنا طالبنا بها بعد انتقال إدارة السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل و حقوق الإنسان لأننا نعتقد انه ليست هناك من محظور نخفيه لأن السجون وجدت للقضاء على الجريمة و إعادة تأهيل من زلّت به القدم حتى يندمج من جديد في المجتمع و لا تصبح آلة معقدة تزيد في حقد الحاقدين لأن السجون جزء من المجتمع المتحضر القائم على المساواة و حماية الكرامة الإنسانية لمواطنيه كما نسجل مبادرات الرئيس المتتالية آخرها إطلاق سراح بعض المساجين بمناسبة عيد الفطر مما عزّز موقف المعتدلين الذين سبق لهم أن اعترضوا في بيان عن خطاب التصعيد الذي ينتهجه البعض و أصبح الملف يستغل بكثافة للإساءة إلى تونس و شن الحملات ضدها و هو أمر غير مقبول و لا يساعد على فتح صفحة جديدة نريدها ناصعة تعكس صفاء تونس التي تسع لكل التونسيين و لكل آراءهم و نعتقد أن ما تضمنه بيان الرئيس في ذكرى التحول من محاور يستحق أن يحظى بحوار وطني في ملفات تلفزية مباشرة بعيدا عن اللغة الخشبية في انتظار التحوير المزمع إدخاله على المجلس الأعلى للإعلام الذي نطمح أن لا يكون أقل من الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري في المغرب الشقيق وهي هيئة مستقلة عن الوزارة المعنية بالإعلام ومسؤولة وحدها عن القطاع السمعي البصري الذي وقع تحريره أمام الرأس المال الأجنبي في نطاق تحرير الخدمات وإن تونس لقادرة على الأحسن في هذا الميدان بفضل الإرادة السياسية والكفاءات التونسية لأن الحرية الصحافية وتطوير المشهد الإعلامي مع إثراء الحوار الوطني والحراك السياسي يخدم صورة تونس في الخارج وإشعاعها

وشكرا سيدي الرئيس